آخر الأخبارأخبار محلية

المطلوب رئيس للجمهورية عابر للطوائف

قبل أن تردّ إيران على إسرائيل، التي قصفت قنصليتها في دمشق، وقبل أن تردّ إسرائيل على الردّ الإيراني، كان الجنوب اللبناني، ولا يزال، طاولة “بينغ بونغ” بين “حزب الله” والجيش الاسرائيلي. فلم تكن تل أبيب في حاجة إلى ضرب القنصلية الإيرانية لكي توصل إلى طهران ما أرادت أن توصله من رسائل. ولم تكن طهران في حاجة إلى إرسال مسيراتها من على مسافة بعيدة لتقول لإسرائيل إنها قادرة على الوصول إلى أي مكان تريد الوصول إليه. وما فعلته إيران أقدمت عليه إسرائيل من دون تردّد. لم يكن هذا البلدان المتباعدان، جغرافيًا وعقائديًا واستراتيجيًا، يحتاجان إلى ابراز عضلاتهما عن بعد طالما أنهما يتبارزان كل يوم على أرض الجنوب، الذي دخل مرحلة يمكن وصفها بأنها قد تسبق إمّا الانفجار الكبير وإمّا هدوء ما قبل التسوية الكبيرة.

 

 

 في رأي أكثر من مراقب فإن الانفجار الكبير مستبعد. ومردّ هذا الاستبعاد يعود إلى أن لا إسرائيل قادرة على القيام بعمل كبير، وهي التي تعاني ما تعانيه داخليًا، على رغم أن البعض ينحو للقول بأن الردّ الإيراني قد “عوّم” رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو مع خياراته المجنونة، سواء بالنسبة إلى رفح أو بالنسبة إلى جبهته الشمالية. إلا أن نسبة هذا “التعويم” لم تصل إلى المستوى، الذي يسمح لحكومة الحرب في تل أبيب بأن تتخذ قرارًا بحجم شنّ حرب واسعة ضد لبنان، لأنها تعرف جيدًا أن أي مغامرة من هذا النوع ستكون باهظة الثمن. فالحرب الشاملة تعني بالمفهوم العسكري الدخول البرّي عبر أكثر من محور. وهذا يستلزم تحشيد أكبر عدد من جنود العدو، وهو أمر غير متاح حاليًا على رغم الادعاء بعكس ذلك.

 

أمّا من جهة “حزب الله” فإنه على رغم أنه لا يريد خوض غمار حرب من هذا النوع، وإن كان لا يخشاها، فإنه يعرف أن إعطاء العدو ذريعة القيام بأي حماقة سيكون مردوده سلبيًا على المستوى اللبناني الداخلي، مع العلم أن كرة الاحتجاج على التفرّد بقرار فتح الجبهة الجنوبية بدأت تكبر حتى في البيئة الحاضنة لـ “الحزب”، وذلك نتيجة ما تخّلفه الاعتداءات الإسرائيلية على القرى الجنوبية من أضرار بشرية ومادية كبيرة.

 

فالمناوشات بين الجنوب اللبناني والشمال الإسرائيلي باقية على وتيرتها إلى أن تلوح في الأفق بوادر حلحلة على الجبهة الغزاوية، التي قد تكون مقدمة لتسوية شاملة في المنطقة، ومن ضمنها مصير فلسطينيي قطاع غزة، من ضمن حلّ شامل لا بدّ منه في نهاية المطاف للقضية الفلسطينية.  وقد تكون هذه المناوشات، التي لم ينتج عنها سوى ما حلّ في القرى الجنوبية من دمار، وما لحق بأهلها من تهجير وتشريد، بدل عن ضائع لحرب أوسع بين تل أبيب وطهران، أقّله في الوقت الحاضر بعدما اتضحت حدود الردّين، اللذين لم يغيّرا الشيء الكثير في المعادلات الجيوسياسية.

 

 

ولعل الدخول الفرنسي بقوة على خطّ التسوية الصغيرة بالمعنى المجازي للكلمة، أي العمل مرحليًا لتهدئة الجبهة اللبنانية والحؤول أقّله دون تطور المناوشات إلى ما يُخشى منه، وهو إجبار لبنان على الدخول في حرب ستكون أثارها كارثية على الجميع، مع احتمال توسّع حال الاستقرار لتشمل دول المنطقة.
فالمسعى الفرنسي، كما فُهم، غير مجزأ. فهو جزء من كل، وكل من جزء في الوقت ذاته. أي بمعنى أن المواضيع التي تحظى باهتمام ماكرون شخصيًا غير منفصلة الحلقات، بل هي متواصلة. تبدأ بـ “تبريد” الجبهة الجنوبية، لتنتقل بالتوازي إلى تفعيل عمل “اللجنة الخماسية”، التي يجب أن تفضي مساعيها إلى انتخاب رئيس جديد للجمهورية وفق مواصفات قد أصبحت معروفة من الجميع، وصولًا إلى البحث الجدّي والعميق والهادئ في كيفية معالجة أزمة النزوح السوري، وما ينتج عنه من ملابسات قد تفضي إلى توترات غير محسوبة النتائج.

 

ويأتي الدور الفرنسي في ظل انطباع كبير بأن صيغة الاتفاق ناجزة مع الأميركيين في ما يتعلق بمجمل الوضع اللبناني، لكنّ تطبيقه لن يتحقق قبلَ وقف النار في غزة، وقوامه وقف العمليات العسكرية وتعزيز وجود الجيش، ومحاولة لزيادة عديد قوات الطوارئ الدولية، ثم بدء التفاوض على الحدود البرية بالتزامن مع ترتيب الاستقرار السياسي بانتخاب رئيس للجمهورية. وقد يكون مجيء الموفد الأميركي آموس هوكشتاين إلى لبنان في إطار ما يتم تداوله من معلومات عن قرب بلورة صيغة حلّ شامل للمنطقة، ومن ضمنها لبنان، على أن تكون الأولوية لتبريد الجبهة الساخنة في الجنوب، والانتقال إلى مرحلة انتخاب رئيس جديد للجمهورية بمواصفات عابرة للطوائف.


مصدر الخبر

للمزيد Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى