التكاملية الروحية من الطوباوية الى الواقعية.. بين صدامية السابق و وفاقية اللاحق..!

Advertisement
ان المفهوم العام لمصطلح التكاملية الروحية ينحصر بدلالة المعنى ، حيث اى مبدأ التكامل يكون بين سابق له قواعده وركائزه العقيدية، وبين لاحق له رؤيته الحياتية و نظرته الإيمانية التي تقارب الالتزام العقيدي .و الإثنان ينطلقان من ثابت إيمانيٍّ واحد هو الله الخالق ، و ما يتعلق به من أوصاف وأسماء و نعوت سامية ، بعضهم إستخلصها من التعاليم، وبعضهم أسبغها على الخالق فيض محبة وتحنّنٍ و استرحام و تغفر دائم .
بالإستناد الى مفهوم السابق و اللاحق ، فإن أي تناول لهذا المصطلح لا يصح الا في البلدان والمجتمعات التي يشيع بين شعوبها أكثر من ديانة و مذهب إيماني ، بحيث لا يمكن مقاربة هذا الموضوع في مجتمع ديني مُقفَل او من طائفة روحية واحدة . لذلك فان الشرط الأول لشرح معنى التكامل ،هو وجود بيئة تعددية المعتقد و منفتحة على القيم الإيمانية التي تشكل المرتكز العقيدي للأديان على قاعدة النُبُوَّة لله، والمحبة للناس ,والتسامح و الإخاء والتساوي شراكة بين السماويين ، مع التركيز على قيمة الحرية التي ترتبط عضوياً مع الكرامة الإنسانية و التعاليم الروحانية ، تلازماً مع القيم المايزة للإنسان .
و يتوافق الكلام على التكاملية الروحية بين الأديان، مع مبدأ تراكم القيم وتوارثها ديناً عن دينا وحضارة عن حضارة وشعباً عن شعب ، مما يظهر بوضوح ان علامات التلاقي والتشارك بين التعاليم والقيم ، هي اكثر بكثير من دلائل الإنقسام و التباعد و التنافر الفكري و التعاكُساتِ السلوكية التي يمكن ان تظهر بين الجماعات ظرفيا.
وكلما زاد منسوب الانفتاح على اتباعِ الأديان والمعتقدات الاخرى إتصف الدين بالإنسانية، على قاعدة المحبة والمقبولية والرحمة .
والشرط الرئيس، لقابلية التكامل بين المعتقدات ، وخصوصاً تلك تنوجد أو تتعايش أو تتفاعل ميدانيا مع جماعات ذات إختلاف عقيدي و ايماني ، هو وجود نصوص دينية قابلة للتفسير والتطبيق مع ما يتوافق و روح العصر و متطلبات التحديث الفكري والتواصل الحضاري والتفاعل بين الثقافات، خصوصاً بعد التداخل الاجتماعي و الاندماج بن الشعوب، بعد زوال الحدود الوهمية و سقوط موانع التمازج الناتج عن الهجرة من جهة، وعن سماح قوانين بعض الدول بالاندماج بمجتمعها و التمتع بحصانة انسانية واجتماعية مدعومة بنصوص قانونية وفق مفاهيم الحرية والمساواة و حقوق الانسان ومحاربة العصبيات العرقية و الدينية التي هي نقيض التوافق والتكامل .
معضلة المرجعية الدينية وجمودية النص :
يصطدم مصطلح التكاملية الروحية و بعدها المفهومي بعلامات الجمودية لدى بعض المواقع المرجعية المتمسكة بالأصول الموروثة و التابعة لسلوكيات عقيدية ينظرون الى وضعيتهم من حيث انهم المخولون وحدهم النطق بالحقيقة.
ومن أدق الأمور التي يمانعون مناقشة مضامينها وفهم ابعادها و لا يسمحون بتناولها بالجدال والمقارنة والموازنة والتحليل ، هو كل ما يدخل في صلب العقيدة و مركزيات النص في وضعياته الأولى، المَقولة والمُنْزَلَة والمَنقْولة ، تضاف اليها التصنيفات اللاهوتية والتفسيرات الفقهية و كتابات المعاصرين المُحدَثين ، و تلك التي تعتبر نصوصا مرجعية معتمدة يبنى عليها في التفسير و الشرح و التبشير .
و من هذا المنطلق، الذي تتداخل فيه ألوهية النص العقيدي بدور المرجعية الدينية و تأثيرها في المجتمع الإيماني ، يمكن النظر الوضعي والتقويمي للعلاقة الثابتة والمتحولة بين الأتباع و المريدين و المرجعية الدينية المتمتعة بصفة المرجعية و المعترف بها علماً و قدرةً على الافتاء و التفسير و ابداء الرأي الديني و الشرعي ، كما تتصف بقدرتها على الإمساك بناصية اعطاء الفتاوى تفسيرا و توضيحاً و تحليلاً و تحريماً ، بما يتوافق و مستوى الإقرار بواقعية الإختلاف و الرفض القطعي لفرضية الخلاف المسبق.
و ينسل من ذلك وجوب الانطلاق من قاعدة فكرية ركيزتها ، ان الفرادة المايزة لدين او عقيدة تفرض روحياً الإبتعاد عن منطق التفرد و امتلاك حصرية ان يكون وحده على حق !
هذه الخصوصية الايجابية للتعدديات الإيمانية في مسارها الانفتاحي في المجتمعات المتداخلة ، دينياً وحضارياً وثقافياً ، تنفتح على أساسيات التكامل بين الروحي و الفكري في نشر التعاليم وإفهامها و إبراز القيم والعمل بهديها ، مع الحفاظ على التمايزات في المبادئ و احترام العقائد و التأسيس على مرتكزات الإنفتاح الفكري نحو سلامية الاهداف وسموها الروحي و الخلاص الإنساني.
من هذه القواعد الفكرية المبنية على طروحات واقعية، والمنطلقة من فرضيات معقولة و الساعية الى مبادرات وقائية جريئة وواجبة، يمكن تناول المستوى الفهمي للمؤمنين ضمن الجماعات المتنوعة ، بما يتناغم وروح العصر و يتوافق و سلامية الاديان و مفاهيمها الخلاصية .
ومن التحديات التي تعترض بعض المرجعيات الدينية في رسالتهم الروحية ودورهم القيادي و الرعائي ، وجوب تمتع رجل الدين بثقافة عمودية تمكنه من معارف عميقة في نشأة الدين وتأسيس المجتمع الإيماني ، بالتوازي مع وجوب التضلُّعِ من ثقافة افقية توفر له التعرف الى خصائص الاديان الاخرى ، للتمكن من كيفية بناء علاقات سلامية وحوارية معها على قاعدة التكاملية الروحية الواقعية ، التى تكون مبنية على ثنائية فكرية تتوزَّعُ بين التكاملية المعرفية بمعناها الثقافي المستدام، و التكاملية الحضارية ، بذخرها التراثي التأصيلي و التحاوري مع الاديان والحضارات وفق منهجية التعرُّف و التعارف و التفاعل وخدمة المعرفة السلامية ، الهادفة الى بناء الإنسان الفرد و تكوين المجتمع وإ فادة الإنسانية بالمطلق .
و لعل اکثر التحديات بروزا في صناعة الحوار الإنساني الشامل على مفاصل الفكر الديني والسلوك الإيماني الإنفتاحي ، افتخارا بالسابقين و فخرًا للاّحقين ، هو ان نستحق الحاضر لنكون مؤهلين لنستحق المستقبل ، مع الحفاظ على ركائز الخصوصية الايمانية ، و الاستعداد لمقبولية الآخر ومراعاة مبادئه العقيدية و خلقياته الإيمانية .
ولا يتأتى ذلك الا من خلال تجاوز المعوقات و الموانع المُعضلية المطروحة التي تعترض او تعوق عملية تحقيق التكاملية الروحية بأسمى وجوهها.
و أكثر تلك المعضلات حدة و دقة هو السؤال ، ما إذا كانت التكاملية الروحية الداخلية في مجتمع معيَّن تتأثر بعلاقات خارجية محورية لبناء التكاملة الموجية بأسمى وجوهها ، لمعرفة مدى تمتع مساعي اعتماد التكاملية الروحية داخل مجتمع محدد ، باستقلالية الخيار و القرار ضمن هامش مقبول من الحرية ، أم ان القرار يعود حصراً للمرجعية الكبرى ذات الموقعيَة الدينية الجامعة ؟
في هذا التساؤل مايؤكد على تأثيرية الفكر الإيجابي للمرجعية الروحية و مدى تمتعها بحصرية اعلان بيان المحبة و التلاقي والحوار ، وقدرتها على الإبتعاد عن صدامية السابق و تجاوز الخلاف على الإختلاف ، وصولا الى الوفاقية المأمولة بين الجماعات ، إستناد الى النظرية واقعية تؤكد ان نوعية المجتمعات بتنوعها .
مصدر الخبر
للمزيد Facebook