آخر الأخبارأخبار محلية

إنتخبوا في 15 كما إنتخبنا في 6 و8 أيار… تستعيدون الوطن من “خاطفيه”

ان يكون اللبناني بعيدًا عن وطنه الأمّ الآف الأميال لا يعني أبدًا أن لبنان لم يعد يعني له شيئًا. بالعكس تمامًا. فكلما بعُدت المسافات كلما إزداد تعلّقه به. وكلما تراكمت سنوات الغربة كلما كبُر الشوق إلى مرابع الطفولة ومغامرات المراهقة، حيث له في كل زاوية من زوايا الأحياء القديمة ذكريات لا تزال حاضرة في يومياته الإغترابية. 

لو سألنا المغتربين أينما كانوا في أرجاء المعمورة عن أسباب هجرته لأتت الأجوبة متطابقة، وهي باتت معروفة، خصوصًا بالنسبة إلى الذين هاجروا حديثًا. 
ولو سألنا هؤلاء مرّة أخرى إذا كانوا يفضّلون البقاء حيث هم، مع ما يتوافر لهم من سبل عيش كريم، لأتت الأجوبة متطابقة أيضًا، وهي معروفة سلفًا. 
يوم الأحد في 8 أيار، وهو يوم إعتبره تاريخيًا في المسار الإنتخابي العام، قصدت مركز الإقتراع في مدينة مونتريال باكرًا، إعتقادًا مني بأني سأكون أول الناخبين. كنت أمام المركز حوالي الساعة السابعة إلا ربعًا. لكن المفاجأة كانت بأن رأيت صفًّا من الناخبين له أول وليس له آخر. الجميع ينتظرون فتح الأبواب وصناديق الإقتراع ليمارسوا حقّهم الإنتخابي، وهو حقّ يعتبره المغتربون حقًّا مقدّسًا. 

إنتظرت ما يقارب النصف ساعة إلى أن أتى دوري. التنظيم كان لافتًا منذ لحظة الإستقبال حتى لحظة الإقتراع. حركة القنصل العام في مونتريال طوني عيد كانت لافتة. وصل إلى مركز الإقتراع مع طاقم القنصلية ورؤساء الأقلام ومساعديهم عند الساعة السادسة صباحًا، وكان قد غادر المركز عند الساعة الثانية عشرة من ليل الليلة السابقة ليطمئن إلى أن كل شيء بات جاهزًا. وكذلك فعلت القنصلة فاطمة زيادة. 
صودف أنه بينما كنت منتظرًا دوري للإقتراع أن رأيت مشهدًا ملفتًا للنظر، حيث كان مندوبا لائحتين مسيحيتين متنافستين يتبادلان النكات والضحكات، فكان تعليق من أحد الناخبين: حبّوا بعضكن”. فجاوبه آخر: “لو حبّوا بعضن لما كنا نحن هون”.  
في خلال هذه النصف ساعة إنتظارًا مرّت في بالي، وأنا أتفرّس في وجوه المنتظرين، صورٌ كثيرة. صور من الماضي وأخرى من الحاضر، وأخرى أيضًا لما يمكن أن يكون عليه المستقبل هنا في المغتربات وفي الوطن المعذّب. 

حاولت أن أسترجع بعضًا من صور الماضي الجميل فكانت الصور البشعة طاغية، خصوصًا صور الحرب بكل أوجهها وتلاوينها، وبالأخص “حروب الأخوة – الأعداء”، وما نتج عنها من تهجير قسري كبير العام 1989، بالإضافة إلى صور إنفجار مرفأ بيروت، وصور إخفاء الحقيقة من قبل السياسيين، وهم أنفسهم الذين أفلسوا البلد وهجّروا أهله وقضوا على أحلام الشباب. 
أمّا صور الحاضر فهي أقسى وقعًا مما سبقها، إذ يبدو أفق الحلول الممكنة مقفلًا على مصالح شخصية وآنية ضيقة. قليلون هم الذين يفكرّون بطريقة سليمة حول السبل الكفيلة بإخراج اللبنانيين من أزماتهم المالية والإقتصادية والمعيشية. وكثيرون هم الذين لا يفكرّون سوى بمصالحهم الخاصة وبالطرق التي تمكّنه من الحفاظ على قوتّه السياسية، وهي قوّة هشّة ووهمية. 
أمّا بالنسبة إلى صور المستقبل فلم أرَها سوى في هذه الوجوه التي تمرّ من أمامي. وعلى رغم أن السكوت هو الذي كان مسيطرًا إحترامًا لهذه اللحظات الإنتخابية المصيرية فإني سمعت كلامًا كثيرًا من وراء هذا السكوت الرصين.  
سمعتهم يقولون، وإن لم يتكلموا، إنهم لن يتركوا وطنهم لوكر الدبابير، ولن يقبلوا بأن يبقى مخطوفًا من قبل “تجّار الهيكل” في مغارة “علي بابا”.  
سمعتهم يقولون أن صوتهم في صندوقة الإقتراع ستحدث حتمًا الفرق المنتظر. وإذا لم يأت التغيير التام اليوم فهو آتٍ غدًا أو بعده لا محال.  
فإذا إنتخب المقيمون “تغييرًا” يوم 15 أيار كما إنتخب غير المقيمين في 6 و8 فإن الغد سيكون حتمًا مغايرًا. 


مصدر الخبر

للمزيد Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى