آخر الأخبارأخبار دولية

“لن نقابل الروس بالورود”… أوديسا الأوكرانية تستعد للاجتياح الروسي

نشرت في: 11/03/2022 – 17:10

تعد مدينة أوديسا جنوب غرب أوكرانيا هدفا رئيسيا للهجوم الروسي بسبب تاريخها وموقع مينائها الاستراتيجي على البحر الأسود. ويستعد العسكريون والمتطوعون البسطاء لصد الهجوم، بينما تنضم العديد من الشخصيات المحلية المرتبطة بعالم العصابات السفلي إلى ذلك الاتحاد المقدس. ريبورتاج مهدي شبيل.

على أحد شواطئ مدينة أوديسا الأوكرانية الذي تجتاحه رياح باردة للغاية، تشكلت سلسلة بشرية. يعمل نحو ثلاثين رجلا بجد لتجريف رمال الشاطئ الناعمة ووضعها في أكياس قماش بيضاء، ثم تمريرها من ذراع إلى ذراع حتى تحميلها على مقطورة شاحنة متوقفة في نادي أوديسا لليخوت. بينما تتحسر القوارب واليخوت الراسية في الحوض الجاف على الأيام السعيدة للنزهات المشمسة على البحر الأسود. لكن في يوم الخميس هذا 10 آذار/مارس، لا يفكر أحد في شيئ آخر سوى تلك الحرب الدائرة. ستذهب هذه الآلاف من أكياس الرمل لتحصين وسط مدينة أوديسا، التي تستعد بهدوء للاجتياح الروسي.

على هذا الشاطئ، يلتقط رومان بريغ أنفاسه متوقفًا هنية عن العمل ومتطلعًا إلى الأفق فوق عرض البحر. لا تكاد السفن الحربية الروسية ترى بالعين المجردة فهي بعيدة جدا عن الشاطئ، لكن وصولها ليس سوى مسألة وقت حسبما يقوله رومان.

متطوعون يجهزون أكياس الرمال بالقرب من نادي اليخوت. وبحسب عمدة مدينة أوديسا فإن عددا من الشواطئ بالقرب من المدينة تم زراعتها بالألغام تحسبًا لاجتياح القوات البحرية الروسية لها. © مهدي شبيل، فرانس24

“إنه أمر منطقي. فالبوارج الروسية لن تقترب قبل أن تقع ميكولايف (مدينة على بعد 130 كيلو مترًا إلى الشرق) في أيدي القوات البرية الروسية ومن ثم تصبح على أبواب أوديسا. أعتقد أن عددًا من المقاتلين قد تسللوا بالفعل إلى داخل أوديسا، وسوف يظهرون أنفسهم عندما تحين تلك اللحظة” كما يقول لفرانس24 مهندس الكمبيوتر هذا. ثم يتابع “لذا يجب علينا أن نكون مستعدين للقتال على ثلاث جبهات في الوقت ذاته”.

لقد عاد هذا المتطوع الشاب الذي لا يزال في منتصف العقد الخامس للقتال بعد أن أوصل عائلته بالفعل إلى بر الأمان في رومانيا. لا يمتلك أية خبرة عسكرية ولكنه يريد أن يجعل من نفسه مفيدا بأي شكل من الأشكال للدفاع عن مدينته. “إذا اعتقد الروس أننا سنرحب بهم بإلقاء الورود عليهم، فإنهم سيكونوا متفاجئين (…) لقد رأينا المقاومة البطولية في مدن مثل خاركيف، إنها مصدر إلهام حقيقي لنا”. من الواضح إذن أن المدينة التي أسستها الإمبراطورة الروسية كاثرين الثانية في نهاية القرن الثامن عشر، والتي لا تزال تتحدث الروسية إلى حد كبير، لا تريد العودة إلى حظيرة موسكو.

رومان بريغ (إلى اليمين) تطوع للمشاركة في تعزيز تحصينات مدينة أوديسا

رومان بريغ (إلى اليمين) تطوع للمشاركة في تعزيز تحصينات مدينة أوديسا © مهدي شبيل، فرانس24

خنادق

ومن نادي اليخوت هذا، يمكننا رؤية رافعات ميناء أوديسا على بعد بضعة كيلومترات شمالا. ومن المستحيل الاقتراب من هذا البناء الإستراتيجي، المتوقف عن العمل منذ بداية الصراع. أما منطقة المركز التجاري لأوديسا والمتاخمة للميناء فقد تم تحصينها وحظر  المرور فيها تماما. وتم استخدام جزء كبير من أكياس رمال الشاطئ لتحصين هذه المنطقة. بينما أظهرت الصور المتداولة على شبكات التواصل الاجتماعي تمثال الدوق ريشيليو، نبيل فرنسي أصبح حاكما لأوديسا بعد هربه من ثورة 1789، مغطى بالكامل بعشرات حقائب الرمال القماشية.

بقية المناطق في المدينة، بخلاف هذا المركز التجاري الذي تحول إلى خنادق، تبدو أقل استعدادا للحصار. وعلى عكس العاصمة كييف، ليس من ثمة نقاط تفتيش متقاربة يقف عليها رجال مدججون بالسلاح. لا تزال العديد من خطوط الحافلات تعمل، والمحال التجارية الكبرى مليئة بصورة جيدة بالمنتجات الغذائية، كما أنه من السهل نسبيا العثور على مقاهٍ مفتوحة.

يقول أوليغ برينداك، نائب عمدة مدينة أوديسا، الذي يرتدي الآن سترة عسكرية كاكية عليها بقع ملونة بألوان علم أوكرانيا: “الجيش هو من قرر إنشاء هذا الجهاز الدفاعي لحماية الميناء لأن هناك مخاوف من هجوم المظليين الروس عليه”. “بالنسبة للبلدية، ليست الحرب فقط هي ما نهتم به. علينا الاستمرار في التخلص من النفايات، والتأكد من دفع المعاشات التقاعدية، وبذل كل مجهود من أجل استمرار المستشفيات في العمل بشكل طبيعي. فمن المهم ألا تتوقف الحياة في أوديسا”، كما تقول ناتاليا مالتسيفا، المتحدثة باسم البلدية.

عدد كبير من لافتات الشوارع في أوديسا تم تغطيتها لإخفاء ما تحمله من معلومات من أجل تصعيب مهمة المهاجمين الروس.

عدد كبير من لافتات الشوارع في أوديسا تم تغطيتها لإخفاء ما تحمله من معلومات من أجل تصعيب مهمة المهاجمين الروس. © مهدي شبيل، فرانس24

العصابات تنضم إلى “الاتحاد المقدس”

كما هو الحال في كل مكان آخر من أوكرانيا، دفع العدوان الروسي السكان إلى إقامة نوع من “الاتحاد المقدس” الحقيقي فيما بينهم. الأقلية الموالية لروسيا، التي نزلت للتظاهر في الشوارع في عام 2014، لا تزال متوارية عن الأنظار. ورسَّم رئيس بلدية أوديسا، جينادي تروخانوف، نفسه كرئيس للمقاومة، وقام بالعديد من المداخلات الإعلامية. وخلال مقابلة على الهواء مع فرانس24، قال العمدة، الذي يتحرك دائما حاملًا سلاحه، إنه يريد “البقاء حتى النهاية” للدفاع عن مدينته.

وهو موقف مغالٍ في وطنيته ويضع الكثير من مساعديه في حرج مجاراته. الأكثر خجلًا بينهم يصفون تروخانوف بأنه “مثير للجدل”، والبعض يتحدث صراحة عن “رجل عصابات”. فهو ضابط سوفييتي سابق، كان رئيسًا لشركة أمنية خاصة في تسعينيات القرن المنصرم، متورط في معاملات عقارية مشكوك فيها بعدة ملايين يورو وذلك وفقا لوثائق “بنما بابرز” و”باردايز بابرز”… ووفقا لمنتقديه، فإن مسيرة عمدة أوديسا المهنية تضعه بامتياز في صفوف “رجال العصابات”. كما أنه لا يزال خاضعا للتحقيق في قضايا فساد.

أوليغ ميخايلنيك يحمل بندقيته الكلاشنيكوف داخل المقهى الذي تتجمع فيه وحدته من المتطوعين. نجا هذا الناشط المناهض للفساد من هجوم بالرصاص الحي استهدف اغتياله عام 2018 ويتهم عمدة أوديسا بالوقوف وراءه.

أوليغ ميخايلنيك يحمل بندقيته الكلاشنيكوف داخل المقهى الذي تتجمع فيه وحدته من المتطوعين. نجا هذا الناشط المناهض للفساد من هجوم بالرصاص الحي استهدف اغتياله عام 2018 ويتهم عمدة أوديسا بالوقوف وراءه. © مهدي شبيل، فرانس24

“يمتلك تروخانوف الكثير من العلاقات والاتصالات مع ألمافيا الروسية، والتي هي بدورها مرتبطة بقوة بجهاز المخابرات الروسي. أما الآن فهو يقول ليذهب بوتين إلى الجحيم… لا أدري حقًا إن كان سيصمد حتى النهاية. أعتقد أن ألمافيا أوديسا تنتظر في الغالب معرفة من سيفوز بهذه الحرب”، يقول لفرانس24 أوليغ ميخايلنيك، الناشط في حركة مكافحة الفساد ومنسق العديد من أحزاب المعارضة الليبرالية.

ويشير ذلك الناشط إلى أن العديد من الشخصيات المحلية المعروفة غارقة حتى أذنيها في الفساد، بما في ذلك قائد الشرطة المحلية السابق والمدعي العام السابق لمنطقة أوديسا، وها هم الآن يحاولون فتح صفحة ناصعة البياض من خلال مواقفهم المناهضة للغزاة الروس. حتى إن المدعي العام السابق، أوليغ زوتشينكو، ذهب إلى حد إعطاء مبلغ الكفالة البالغ 2,6 مليون هريفنيا (نحو 80 ألف يورو) كتبرع للجيش الأوكراني…

لكن مسألة صدق هذه العواطف الوطنية المفاجئة هي أمر ثانوي بالنسبة لأوليغ ميخايلنيك. وحتى لو انقلب عمدة أوديسا وبدل ولاءه، فإن الناشط مقتنع بأن السكان سيظلون موالين لكييف ويحاربون الغزو الروسي.

 

النص الفرنسي: مهدي شبيل | النص العربي: حسين عمارة


مصدر الخبر

للمزيد Facebook

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى